رمضان ابو إسماعيل يكتب: تداعيات الحرب علي الاقتصاد.. بالجملة!
بات الحديث عن تداعيات الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط علي الاقتصاد المصري، الأيام الأخيرة محور رئيسي لنقاشات المصريين علي المقاهي وفي مواقع التواصل الاجتماعي، ففي الوقت الذي اعترفت فيه الحكومة بعمق هذه التداعيات التي أدت إلي قرارات فورية صادمة للبعض من مثل قرار رفع أسعار المواد البترولية فيما تشكك أصوات رافضة لهذا القرار من هذه التداعيات. وذهبت هذه الاصوات إلي أن الحكومة وجدت في هذه الأوضاع فرصة سانحة لنقل جزء كبير من عبء دعم الطاقة -مثلا- إلي المواطن، عبر قرار زيادة اسعار المحروقات بمعدلات غير مسبوقة.
ويذهب حديث المنطق ومتابعة أداء قطاعات الاقتصاد إلي أن هذه الحرب تركت تداعيات عميقة علي الاقتصاد المصري، وبعيدا عن منطقية قرار الحكومة برفع أسعار المواد البترولية ومدي ملائمة نسب الزيادة مع حجم تأثير الحرب، فإن الأرقام تدلل علي أن استمرار هذه الحرب لفترات طويلة قد يضع الاقتصاد في مأزق حقيقي يستلزم من الحكومة أن تعمل علي اتخاذ كل ما يلزم من اجراءات لتدعيم قدرة الاقتصاد علي امتصاص هذه التداعيات المرتقبة، التي تجلت في تراجع أداء قناة السويس وزيادة تكلفة فاتورة الايرادات وخروج مليارات الدولارات من الاستثمارات غير المباشرة (الأموال الساخنة).
وارتبط بالتداعيات السالف ذكرها تراجع ملحوظ في سعر صرف العملة الوطنية وارتفاع ملموس في الأسعار وزيادة معدلات التضخم في الاسواق وزيادة فاتورة خدمة الدين خاصة الخارجي منه، وهذا كله يصب في خانة زيادة عجز الموازنة العامة، الذي يعبر عن الفجوة الآخذة في الزيادة بين الإيرادات والمصروفات، الناتجة عن زيادة أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الامداد العالمية وتراجع أداء قناة السويس بسبب حالة القلق التي تسيطر علي الأجواء في المنطقة التي دفعت كبري شركات الشحن العالمية إلي البحث عن طرق تجارية أخري أكثر أمنا مثل طريق رأس الرجاء الصالح.
علي صعيد قطاع الطاقة، اسهمت الحرب الدائرة في المنطقة في إحداث صدمة مزدوجة لقطاع الطاقة في مصر، لكونها عمقت من جراح القطاع، لما ترتب عليها من اضطرابات في أسعار النفط العالمية التي كسرت في الايام الأولي للحرب حاجز الـ 100 دولار، ما صعب علي الحكومة مهمة تدبير احتياجات السوق المحلي من المواد البترولية، ما اضطر الحكومة ممثلة في لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية إلي اتخاذ قرار -وصفه البعض بالانفعالي غير المدروس- رفع أسعار البنزين والسولار والبوتجاز وغاز السيارات بنسب تراوحت بين 15% و30%، لتعويض بعض الخسائر التي تعرضت لها الموازنة العامة علي أثر زيادة أسعار النفط عالميا.
ولم تتوقف تداعيات الحرب علي قطاع البترول المصري في زيادة الأسعار العالمية للبترول، بل زاد من أثر هذه الحرب ما اصاب قطاع الغاز الطبيعي من اضطرابات جوهرية في امدادات الغاز الطبيعي، حيث أدت التوترات الإقليمية إلى حالة من الحذر في عمليات الانتاج، دفعت -بدورها- الشركاء الأجانب يبدون تخوفات من امكانية عدم استدامة معدلات الانتاج السائدة في فترة ما قبل الحرب. وعطلت هذه الحرب خطط الحكومة لتسييل وتصدير الغاز الطبيعي والتحول إلي مركز إقليمي للطاقة (عبر محطتي إدكو ودمياط)، حيث قلصت اضطراب الملاحة في المسارات البحرية القريبة من مصر عوائد تصدير الغاز المسال، التي كانت تعتمد عليها الدولة لتوفير السيولة الدولارية.
وتمحورت تداعيات الحرب علي قطاع الكهرباء في زيادة تكلفة انتاج الكهرباء علي أثر الزيادات الكبيرة في أسعار المواد البترولية اللازمة لإنتاج الكهرباء وتحديدا السولار والمازوت، فضلا عن تحركات الحكومة لزيادة الاحتياطي من هذه المواد البترولية، لضمان استدامة انتاج الطاقة أطول فترة ممكنة في حال استمرار الحرب وزيادة الضغوط علي سلاسل امداد الطاقة العالمية التي قد يتعطل معها وصول الشحنات القادمة من الخارج بسبب الحرب.
في الوقت الذي قد بدأت فيه قناة السويس مرحلة تعافي من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والعدوان علي غزة، وبدأت حركة المرور تعود إلي مستوي ما قبل الحرب مطلع العام 2026 (تعافت الايرادات وحققت القناة 449 مليون دولار الفترة من 1 يناير إلي 10 فبراير 2026)، لتأتي الحرب بما لا تشتهي السفن علي أثر الاجراءات التي اتخذتها كبريات شركات الشحن العالمية لتجنيب تجارتها ويلات الحرب بالاعلان عن تعليق المرور عبر القناة بشكل مؤقت، وتحويل مسار السفن إلى طرق تجارية بديلة، وهذا ما فعلته شركة ميرسك التي علقت مرور سفنها بقناة السويس مؤقتا وحولت تجارتها لطريق رأس الرجاء الصالح.
وترتب علي مثل هذه الاجراءات تراجع عدد الناقلات العابرة وغذي هذا التراجع التوقف شبه التام في حركة التجارة بخليج هرمز (يمر منه قرابة 20% من امدادات الطاقة العالمية)، وتباطؤ التجارة العالمية علي أثر زيادة تكلفة التأمين بنحو 50% بسبب مخاطر الحرب، خاصة أن منطقة باب المندب تعاني قلقا بسبب تهديدات الحوثيين في اليمن لقوافل التجارة، وأن زيادة تكلفة التأمين علي التجارة الدولية دفعت -بدورها- شركات الشحن للبحث عن طرق بديلة أكثر أمنا مثل طريق رأس الرجاء الصالح.
وأسهمت زيادة الأسعار العالمية للبترول مع تباطؤ أداء قناة السويس في اتساع الفجوة التمويلية، فالاحتياجات الدولارية زادت علي أثر الزيادات الكبيرة في فاتورة استيراد البترول وغيره من السلع الأساسية وخروج نحو 6 مليارات دولار أستثمارات غير مباشرة (أموال ساخنة) في مقابل تراجع الايرادات الدولارية لتباطؤ حركة التصدير وتعطل بعض قنوات تحويلات العاملين بالخارج وتراجع أداء قناة السويس. وترتب علي هذه الفجوة التمويلية زيادة الطلب علي الدولار فكان التراجع في قيمة العملة الوطنية في مقابل الدولار وغيره من العملات الرئيسية، ليتجاوز الدولار سقف 52 جنيه، وهذا ترك تداعيات سلبية للغاية علي الأسواق المحلية ووسع من عجز الموازنة وزود عبء خدمة الدين.
وانعكس التراجع في قيمة العملة الوطنية علي الأسواق في موجات تضخمية، تتجسد في ارتفاعات كبيرة في الأسواق تغذيها زيادة تكلفة استيراد السلع المستوردة ومنها السلع الغذائية (تضخم مستورد)، وكذا زيادة تكلفة الانتاج المحلي لاعتماده علي مدخلات انتاج مستوردة أو طاقة عالية التكلفة (تضخم محلي). ولم تتوقف تكلفة تراجع قيمة العملة الوطنية في زيادة الاسعار فقط، بل ترتب علي تراجع قيمة العملة الوطنية زيادة عبء خدمة الدين، وهذا منطقي فتراجع قيمة الجنيه يعني -بالتأكيد- زيادة في الالتزامات المقومة بالعملة المحلية وزيادة في عجز الموازنة العامة للدولة، الذي يولد بدوره المزيد من التضخم.
في محاولة من الحكومة لمواجهة هذه التداعيات السلبية، كان قرار زيادة أسعار المواد البترولية للحد من الاستهلاك ونقل جزء من زيادة تكلفة تدبير الاحتياجات البترول إلي المستهلك النهائي، بالإضافة إلي الإسراع في اجراءات ترشيد الاستهلاك (سياسات التقشق) لإعادة الاقتصاد الوطني إلي مساره الصحيح، خصوصا أن الاقتصاد المصري كان قد حقق مؤشرات ايجابية للغاية الفترة الأخيرة تمثلت في تحقيق معدل نمو قدره 5.3% النصف الأول من العام المالى 2025 / 2026 والوصول بالاحتياطي النقدي إلي 52.7 مليار دولار بنهاية فبراير 2026 وارتفاع صافى الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفى لـ 25.5 مليار دولار فى ديسمبر 2025.
ومن الأمور الايجابية، موافقة صندوق النقد الدولي علي صرف 2.3 مليار دولار قيمة الشريحة الجديدة من برنامج التعاون الاقتصادى، ذلك بعد إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الإقتصادى، ووصلت المتحصلات من تحويلات العاملين بالخارج إلى 41.5 مليار دولار وهي أعلى مستوى لها، وشعد عجز حساب المعاملات الجارية تحسنا ملموسا ليسجل 3.2 مليار دولار مقابل 5.3 مليار خلال نفس الفترة من العام السابق كل هذا أدى إلى تحسن كبير فى التصنيف الائتمانى لمصر من جانب العديد من المؤسسات الدولية وعلى رأسها «فيتش» وستاندرد آند بورز.
ودفعت التطورات الحاصلة في الاقتصاد المصري المؤسسات الدولية إلي تبني نظرة "حذرة" تجاه معدلات التضخم للنصف الثاني من عام 2026، حيث أدت الحرب الأمريكية الإيرانية في مارس إلى بعثرة التوقعات المتفائلة التي كانت تشير سابقاً إلى انخفاض التضخم لمستويات أحادية (أقل من 10%). ليظل التضخم مرتفعا بحسب توقعات صندوق النقد خلال النصف الثاني من 2026، ليتراوح بين 25% و30%، متأثراً بصدمة سعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، وأن البنك المركزي سيطر للحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة (أو زيادتها) طوال عام 2026 لمحاولة كبح جماح السيولة والسيطرة على التوقعات التضخمية الناتجة عن الحرب.
